ابن عربي
161
فصوص الحكم
قد شكروا الله على ما أنعم به عليهم ووهبهم ، فلم يكن ذلك على طلب من الله ، بل تبرعوا بذلك من نفوسهم كما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه شكراً لمَّا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . فلما قيل له في ذلك قال « أفلا أكون عبداً شكوراً » ؟ وقال في نوح « إِنَّه كانَ عَبْداً شَكُوراً » . فالشكور من عباد الله تعالى قليل . فأول نعمة أنعم الله بها على داود عليه السلام أن أعطاه اسماً ليس فيه حرف من حروف الاتصال ، فقطعه عن العالم بذلك إخباراً لنا عنه بمجرد هذا الاسم ، وهي الدال والألف والواو . وسَمَّى محمداً ( 1 ) صلى الله عليه وسلم بحروف الاتصال والانفصال ، فوصله به وفصله عن العالم ( 2 ) فجمع له بين الحالين ( 3 ) في اسمه كما جمع لداود بين الحالين ( 4 ) من طريق المعنى ، ولم يجعل ذلك في اسمه ، فكان ذلك اختصاصاً لمحمد ( 5 ) عَلَى داود عليهما السلام ، أعني التنبيه عليه باسمه . فتم له الأمر عليه السلام من جميع جهاته ، وكذلك في اسمه أحمد ، فهذا من حكمة الله تعالى . ثم قال في حق داود - فيما أعطاه على طريق الإنعام عليه - ترجيع الجبال معه التسبيحَ ، فتسبح لتسبيحه ليكون له عملها . وكذلك الطير . وأعطاه القوة ونعته بها ، وأعطاه ( 6 ) الحكمة وفصْل الخطاب . ثم المنة الكبرى والمكانة الزلفى التي خصه الله بها التنصيص على خلافته . ولم يفعل ذلك مع أحد من أبناء جنسه وإن كان فيهم خلفاء فقال « يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الْهَوى » أي ما يخطر لك في حكمك من غير وحي مني « فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله »
--> ( 1 ) ا : وسمى محمد ( 2 ) ب : فوصله عن العالم ( 3 ) ب : الحالتين ( 4 ) ب : الحالتين ( 5 ) ب : بمحمد بالباء ( 6 ) ن : أعطاه